|
المهدوية والحركات الإسلامية
المهدوية قرين الإصلاح والتغيير وهي عند أصحابها (وكانوا أحق بها وأهلها) عقيدة راسخة وليست شطحة عقلية طارئة أو رغبة عارمة تتملك بعض عشاق الزعامة والرئاسة ممن يقبضون قبضة من أثر الرسول يصنعون منه للناس صرحا من وهم وخيال فهوى!.
شكلت (الفكرة المهدوية) مكونا هاما من المكونات الفكرية للحركات الإسلامية القديمة والمعاصرة بغض النظر عن صحة الرؤية التي يعتمدها هؤلاء عن المهدوية من عدمها.
التصورات التي يتبناها البعض عن الإسلام لا تتطابق بالضرورة مع التصور الحقيقي الوارد في كتاب الله وسنة رسوله(ص)، خاصة عندما لا يعلق في أذهان الناس بمن فيهم من يعدهم البعض قادة الإصلاح من التصور الأصلي إلا خيالات أو ذرات هائمة من الحقيقة كتلك القبضة التي قبضها السامري من أثر موسى وساق بها جهال بني إسرائيل إلى حتفهم (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).[1]
المهدوية قرين الإصلاح والتغيير وهي عند أصحابها (وكانوا أحق بها وأهلها) عقيدة راسخة وليست شطحة عقلية طارئة أو رغبة عارمة تتملك بعض عشاق الزعامة والرئاسة ممن يقبضون قبضة من أثر الرسول يصنعون منه للناس صرحا من وهم وخيال فهوى!.
المهدوية عند أصحابها عقيدة قديمة قدم التاريخ الإسلامي وهي ذروة عملية من التغيير والإصلاح التكاملي الذي احتاج قرونا من الزمان وربما يحتاج قرونا إضافية، أما عند غير أصحابها من الأدعياء المنتحلين فهي نزوة طارئة تهبط على عقل صاحبها المدعي ما ليس له كما تهبط أمطار الصيف من سماء زرقاء صافية!!.
المهدوية عند المدعين ما ليس لهم إما أن ترتدي لبوس المهدي شخصا ودورا أو تكتفي بانتحال دور ومكانة المخلص المنتظر الذي تشتاق إليه البشرية ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا والذي جاء ليخلص الناس من الضلالات والانحرافات العقائدية ربما ليوقعهم في المزيد منها أو ليزيد أزماتهم تعقيدا أو يضيع من بين أيديهم حلولا واقعية ربما كانت تخفف عنهم بعضا من آلامهم ريثما يظهر المخلص الحقيقي الموعود!!.
المهدوية ليست مجرد بدعة شيعية كما يزعم البعض ممن لا يملكون قدما راسخا في العلم ولا قدرة على التأمل فيما يجري حولهم وممن لا يعرفون من الدين إلا مجموعة شعارات براقة لا تسقي عطشانا ولا تغني من جوع.
لو كانت المهدوية أو (المخلص المنتظر) اختراعا شيعيا كما يزعم القوم فليشرح لنا هؤلاء معنى (الأسماء والصفات) التي يسبغونها من دون ضابط ولا رابط على بعض قادة زماننا الأغبر، فهم إما مجدد للقرن أو إمام ملهم أو أعجوبة الزمان أو إمام العصر الذي من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله ورسوله!!.
الحديث إذا عن المهدوية وعلاقتها بالحركات الإسلامية المعاصرة لا ينبغي أن يقتصر على تلك الحركات التي تصدى لقيادتها من انتحلوا صفة (الإمام المهدي المنتظر) لحما ودما بل يمتد إلى غيرها من الحركات التي زعم قادتها أو زعم لهم صفات قيادية ومهام كونية جامعة من ذلك النوع الذي يختص به إمامنا المهدي صاحب العصر والزمان الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت(ع).
يعرض العلامة المفكر آية الله مرتضى المطهري في كتابه القيم عن الحركات الإسلامية أسباب أفول الفكر الإصلاحي في العالم العربي بقوله:
لو كان هناك أفراد يمكن أن نعدهم أبطالا للحركة الإصلاحية في العالم العربي، فإنهم لا يتعدون ثلاثة، هم من حيث الأهمية: السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ عبده والكواكبي.
نعم ظهرت عناصر أخرى من اتباع هؤلاء وخصوصاً السيد جمال والشيخ عبده من مصر وسوريا والجزائر وتونس والمغرب كانوا دعاة إصلاح واصلوا طريق السيد جمال والشيخ عبده، ولكن لم يصلوا إلى المكانة التي تجعلهم في مستوى الأبطال الثلاثة الذين ذكرناهم. حتى أن فيهم - بسبب بعض الانحرافات - من يعتبرون (مفسدين) بدل أن يكونوا (مصلحين) ذلك أنهم بدل أن يقوموا بعمل إصلاحي، قاموا بعمل إفسادي.
وهنا تطرح عدة أسئلة: لماذا لم تظهر في العالم العربي شخصية أخرى يمكن أن نعتبرها بطلة الإصلاح غير الثلاثة الذين ذكرناهم؟ لماذا لم تقم تلك الشخصيات التي ادعت الإصلاح في العالم العربي، بعمل متكامل وصحيح من أمثال، عبد الحميد بن باديس الجزائري وطاهر الزهراوي السوري، وعبد القادر المغربي، وجمال الدين الكاظمي السوري، ومحمد بشير الإبراهيمي وغيرهم؟
لماذا سقطت جاذبية الحركة الإصلاحية الإسلامية من البلدان الإسلامية؟ ولماذا حصلت الحركات القومية والعربية من أمثال البعث والناصرية، أو الحركات الاشتراكية والماركسية على جاذبية الكثيرين من الشباب العربي؟
السبب الرئيسي الذي جعل الحركة الإسلامية التي بدأها السيد جمال الدين تفقد أهميتها وحرارتها، هو اتجاه أكثر مدّعي الإصلاح بعد السيد جمال والشيخ عبده نحو (الوهابية) وانحصارهم في الدائرة الضيقة لهذا الفكر وأن هؤلاء غيروا تلك الحركة الإصلاحية إلى حركة سلفية تتبع ابن تيمية الحنبلي وحصروا (الرجوع إلى الإسلام الأصيل) بـ(الرجوع إلى الحنبلية) التي تعتبر من المذاهب السطحية في الإسلام، وتغيرت بعد ذلك الروح الثورية من النضال ضد الاستعمار والاستبداد إلى النضال ضد العقائد التي تخالف معتقدات الحنبليين خصوصا ابن تيمية الحنبلي. أ.هـ
إن من أعجب العجب أن تلك الحركات ذات المرجعية (الوهابية) التيموية التي ترى فيمن ينحاز لأهل بيت النبوة ويتمثل فيهم النموذج الكامل للقيادة والإمامة (بإرادة واختيار إلهي)، منافقا يتخذ من حبه لأهل البيت عليهم السلام ستارا يستر كفره ونفاقه وبغضه لأصحاب محمد(ص) (وكأن الصحابة هم الأصل وأهل البيت هم الفرع؟!)، حاولت وما زالت تحاول أن تقدم قادتها في صورة (أئمة مهديين) بدلا من الاكتفاء بوضعهم في إطار واقعي كأصحاب (مشروع إصلاحي) اجتهادي يصيب أو يخطئ ويتعثر تارة وينهض تارة أخرى.
الإخوان المسلمون مثلا يرون أن مؤسس الجماعة هو (أعجوبة هذا الزمن، ورائدا من رواد الخير والحرية والفضل.. عاش للإسلام، واستشهد في سبيل الإسلام رافعًا لرايته رافعًا لهذا الحق، مربيًا لهذه الأجيال....)[2]
يكتب أحدهم في ذكرى مقتل مؤسس الإخوان:
(في هذه الأيام تحلُّ علينا مئوية الشيخ البنا الرجل العملاق مجدد القرن العشرين بغير منازع، صاحب الفهم العميق والتصوُّر المحيط والإدراك الشامل لحقائق الإسلام وأحكامه والداعية صاحب البيان الرائع والبلاغة الآسرة واللفظ الساحر والحكمة العميقة، والتنظيم الدقيق، والصفات الكثيرة المتنوعة، التي تستحيل أن توجد في رجل أو تُجمَع في إنسان، ومع هذا عاش الرجل يجالد الفساد في التصور، والانحراف في الفهم، ويصارع الأباطيل، عسى أن يهدي اللهُ الضالَّ، ويصلح الفاسد، ويبصِّر الأعمى، ولكن الفساد كان عميقًا والظلام داجيًا؛ بحيث إذا أخرج الإنسان يده لم يكد يراها، والكيد إبليسيًّا وشيطانيًّا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض، ولكن الرجل صارعهم فصرعهم ونازلهم فهزمهم).
ثم يستشهد بأبيات من الشعر خطها واحد من تلاميذ (الإمام المؤسس أعجوبة الزمان) منها:
قد جئت يا "حسن البنا" على قدر فكنت أحسن في البانين بنيانا
وجئت جنح الدجى بدرًا قد اكتملت أنوارُه وأضاءت ليل دنيانا
ويا فتًى علَّم الدنيا بحكمته وظل في شأنه التاريخ هيمانا
يا سيدي يا مجير الشرق من فتنٍ وظل في شأنه التاريخ هيمانا
قُتلت يا "حسن البنا" بمن قتلوا القسام قبل و ياسينا و عدنانا
ظلت دماؤك تجري وهي نازفة إلى علي ووافت جرح عثمانا
باعث النهضة الكبرى ومُوقظها ومُجري الماء سحاحًا وهتانا
ومنقذ الجيل من ضعفٍ ألمَّ به فعادت أصلب بنيانًا وأركانا
أحييت كل موات في ضمائرنا لما صنعت من الإنسان إنسانا
والله يا حسن البنا وفي دمنا دَينٌ سنقضيه عرفانًا وشكرانا
المسلمون بخيرٍ سيدي فهم باقون ما بقي التاريخ إخوانًا[3]
الكاتب والشاعر كلاهما يرى في مؤسس جماعة الإخوان (باعث النهضة الكبرى وموقظها ومجري الماء سحاحا وهتانا كما أنه منقذ الجيل من ضعف ألم به وانه صنع من الإنسان إنسانا) وهو فضلا عن كل هذا مجدد القرن العشرين بلا منازع كما أن دماءه النازفة واصلة إلى علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان لتضعه إما قريبا أو في نفس المستوى الذي بلغه (الخلفاء الراشدون) أو (الأئمة المعصومون) والاختيار متروك لمزاج السامع وموقفه المذهبي!!.
إنها مهدوية بلا مهدي وحسب كتاب الجماعة وشعرائها أن ينسبوا لزعيمها وقائدها كل أو بعض صفات الإمام المهدي فتتدفق الجموع لتعطي بيعتها لإمام (أحيا كل موات في ضمائرنا) فكان كل المسلمين (إخوانا) وكان أن أصبح الإنسان إنسانا، شئنا أم أبينا!!.
الأمر ليس كما يتصور البعض مجرد جنوح خطابي للمبالغة والتهويل بل هو جنوح نفسي للبحث عن إمام قائد مخلص يرتمي الأتباع في أحضانه فيأخذهم إلى السماوات العلا لا لشيء سوى امتلاكه هو الآخر للسان خطابي جموح يمتلك الجرأة على القول: (في الوقت الذي يكون فيه منكم ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيا بالإيمان والعقيدة وفكريا بالعلم والثقافة وجسميا بالتدريب والرياضة في هذا الوقت طالبوني أن أخوض بكم لجج البحار وأقتحم بكم عنان السماء وأغزو بكم كل جبار عنيد فإني فاعل إن شاء الله وصدق رسول الله القائل ولن يغلب اثنا عشر ألف من قلة وإني أقدر لذلك وقتا ليس طويلا بعد توفيق الله واستمداد معونته وتقديم إذنه ومشيئته).
مهدوية بمهدي!!
تحدثنا سابقا كيف أن الكثير من الحركات الإسلامية كانت مهدوية بلا مهدي أي أنها تمنح قائد الحركة ومؤسسها أغلب خصائص المهدي المنتظر دون أن تمنحه اللقب وربما كان هذا بسبب إدراك هؤلاء المنظرين لخطورة فشل مثل هذا الادعاء وتعرضه لانتكاسة خطيرة كتلك التي تعرضت لها مهدوية السودان التي سنتناولها في السطور القادمة.
تحت عنوان (كيف صار مهديا) يقول الدكتور عبد الودود شلبي:[4]
أقبل اليوم الموعود ليعلن محمد أحمد أنه المهدي المنتظر وإمام الزمان الذي تجب طاعته على كل البشر وكان هذا في غرة شعبان سنة 1298 الموافق 29 يونيو 1881 حيث جاء في بيان إعلان مهدويته (وحيث أن الأمر لله والمهدية المنتظرة أرادها الله واختارها للعبد الفقير محمد بن السيد عبد الله فيجب التسليم والانقياد لأمر الله ورسوله.. وبعد هذا البيان فالمؤمن يؤمن ويصدق لأن المؤمنين هم الذين يؤمنون بالغيب ولا ينتظرون لأخبار أخر فمن انتظر بعد ذلك فقد استوجب العقوبة لأنه(ص) قال من شك في مهديته فقد كفر بالله ورسوله).
ثم يقول الدكتور شلبي: وماذا ينقص محمد أحمد حتى يكون مهديا؟! إنه عالم وصالح وشريف النسب، كما أنه أفرق الثنايا على خده خال وبينه وبين رسول الله شبه في الاسم وشبه في اليتم...
ثم يعرض لنا بعضا من أدبيات المهدي السوداني:
(من العبد المفتقر إلى الله محمد المهدي بن عبد الله إلى أحبابه في الله المؤمنين بالله وكتابه، أما بعد: فلا يخفى تغير الزمن وترك السنن ولا يرضي ذلك ذوو الإيمان والفطن بل أحق أن يترك لذلك الأوطار والوطن لإقامة الدين والسنن… ثم أحبابي كما أراد الله في أزله وقضائه تفضل على العبد الذليل بالخلافة الكبرى من الله ورسوله وأخبرني سيد الوجود(ص) بأني المهدي المنتظر وخلفني عليه الصلاة والسلام بالجلوس على كرسيه مرارا بحضرة الخلفاء الأربعة والأقطاب والخضر عليه السلام وأيدني بالملائكة المقربين وبالأولياء الأحياء والميتين من لدن آدم إلى زماننا هذا وكذلك بالمؤمنين من الجن والإنس وفي ساحة الحرب يحضر معهم سيد الوجود(ص) بذاته الكريمة وكذلك الخلفاء الأربعة والأقطاب والخضر عليه السلام وأعطاني سيف النصر من حضرته ص وأعلمت أنه لا ينصر عليّ معه أحد ولو كان الثقلين الجن والإنس. ثم اخبرني سيد الوجود بأن الله جعل لي علامة أخرى تخرج راية من نور وتكون معي في حالة الحرب يحملها عزرائيل(ع) فيثبت بها أصحابي وينزل الرعب في قلوب أعدائي فلا يلقاني أحد بعداوة إلا خذله الله. وحيث أن الأمر لله والمهدية أرادها الله لعبده الحقير الذليل محمد المهدي بن عبد الله فيجب التصديق بذلك لإرادة الله وقد أجمع الخلف والسلف على تفويض العلم لله فعلمه سبحانه لا يتقيد بضبط القوانين ولا بعلوم المتفننين بل يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده علم الكتاب. هذا وقد أخبرني سيد الوجود بأن من شك في مهديتك فقد كفر بالله ورسوله كررها ثلاث مرات، وجميع ما أخبرتكم به من خلافتي على المهدية فقد أخبرني به سيد الوجود يقظة في حال الصحة خاليا من الموانع الشرعية، لا بنوم ولا بجذب ولا سكر ولا جنون بل متصفا بصفات العقل، أقفو أثر رسول الله(ص) بالأمر فيما أمر به والنهي عما نهى عنه.
وإني لا أعلم بهذا الأمر حتى هجم علي من الله ورسوله من غير استحقاق لي بذلك، فأمره مطاع وهو يفعل ما يشاء ويختار وحكم نبيه كحكمه ولما تكاثرت منه البشائر والأوامر لي في هذا المعنى امتثلت قياما بأمر الله وقد كنت قبل ذلك ساعيا في إحياء الدين وتقويم السنة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولما حصل يا أحبابي من الله ورسوله أمر الخلافة الكبرى أمرني سيد الوجود ص بالهجرة إلى ماسة بجبل قدير وأمرني أن أكاتب جميع المكلفين أمرا عاما فكاتبنا بذلك الأمراء ومشايخ الدين فأنكر الأشقياء وصدق الصديقون الذين لا يبالون بما لقوه في الله من المكروه وما فاتهم من المحبوب المشتهى بل ناظرون إلى وعده سبحانه وتعالى بقوله:
(تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).[5]
والهجرة المذكورة بالدين واجبة كتابا وسنة، قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).[6]
وقال: من فر بدينه من أرض إلى أرض استوجب الجنة.. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، فإذا فهمتم ذلك فقد أمرنا جميع المكلفين بالهجرة إلينا لأجل الجهاد في سبيل الله وإلى أقرب بلد منكم لقوله تعالى (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) فمن تخلف عن ذلك دخل في وعيد قوله تعالى (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم) الآية.. وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) فإذا فهمتم ذلك فهلموا للجهاد في سبيله ولا تخافوا من أحد غير الله لأن الخوف من غير الله يعدم الإيمان بالله والعياذ بالله من أجل ذلك قال الله تعالى (فلا تخشوا الناس واخشون) فمن كان مهتما بإيمانه حريصا على أمر ربه أجاب الدعوة واجتمع مع من ينصر دينه. وليكن معلومكم: أني من نسل رسول الله فأبي حسني من جهة أبيه وأمه وأمي كذلك من جهة أمها وأبوها عباس والعلم لله إن لي نسبة إلى الحسين وهذه المعاني الحسان تكفي لمن أدركه الله بالإيمان فلا عبرة لمن يراها ولم يصدق بها.
ومن البشائر التي حصلت لنا أنه حصلت لي حضرة نبوية حضرها الفقيه عيسى فيأتي النبي ويجلس معه ويقول للأخ المذكور شيخك هو المهدي فيقول الفقيه عيسى إني مؤمن بذلك فيقول من لم يصدق بمهديته فقد كفر بالله ورسوله قالها ثلاث مرات، ثم يقول له الأخ المذكور: يا سيدي يا رسول الله: الناس من العلماء يستهزئون بنا والخشية من الترك فيقول إن قوي يقينكم إن أشرتم بأدنى قشة تنقضي حوائجكم...
يتعين علينا أن نتأمل في هذا الخطاب (المهدوي) خاصة عندما يكشف لنا المهدي السوداني أنه لم يكن يطمع في هذا المنصب الرفيع فضلا عن أنه لم يكن يعرف أنه المهدي المنتظر ولا أنه صاحب الزمان لولا أن رسول الله(ص) رجاه وألح عليه في القيام بهذه المهمة كما أنه لم يكن يرى نفسه أهلا لهذا المقام ولكنه اضطر للقبول بهذا المنصب!! بعد كثرة الإلحاح والرجاء خشية أن يخرب العالم ويفسد الدين لو لم يقبل القيام بهذه المهمة!! حيث يقول: (وإني لا أعلم بهذا الأمر حتى هجم علي من الله ورسوله من غير استحقاق لي بذلك، فأمره مطاع وهو يفعل ما يشاء ويختار وحكم نبيه كحكمه ولما تكاثرت منه البشائر والأوامر لي في هذا المعنى امتثلت قياما بأمر الله وقد كنت قبل ذلك ساعيا في إحياء الدين وتقويم السنة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
ولأنه قبل إلحاح رسول الله(ص) وصار مهديا بل وأصبح من (المعلوم من الدين بالضرورة) بعد أن لم يكن معلوما حتى لنفسه!!.
لذا فقد أوجبت عليه الديباجة السابقة أن يعلن للدنيا بأسرها أن من شك في مهديته فقد كفر بالله ورسوله خاصة، أن رسول الله أخبره بذلك شفاهة ويقظة لا نوما ولا سكرا!!
ومن ثم فلا حاجة لإقامة دليل أو برهان أو شهادة على صحة ما ادعاه هذا المهدي المزعوم من وجود اتصال مباشر بينه وبين رسول الله(ص).
مهدي وهابي!!
يقول الدكتور عبد الودود شلبي في كتابه : عندما نعود إلى البيانات والمنشورات التي أصدرها المهدي نرى مطابقة أقواله وأحكامه لهذا الفكر السلفي ومنابعه حيث يقول: (لا تستغيثوا بأحد دون الله ولو كان نبيا رسولا أو ملكا فجميع الأنبياء دعوا إلى وحدانية الله فلا تتوهموا وتنسبوا إلى رجل صالح شيئا أو تطلبوا منه شيئا فإن ما سوى الله يقطع النظر عن الله تعالى، قال تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وقال تعالى ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده).
ويضيف الدكتور شلبي (وفي هذا المنشور تجسيد آخر لتعاليم ابن تيميه وابن عبد الوهاب فيما يأتي: أولا: منع الاستغاثة بغير الله ولو كان نبيا أو ملكا، ثانيا: ألا ينسبوا أو يتوهموا أو يطلبوا من رجل صالح شيئا، ثالثا: اعتبار أي عمل من هذه الأعمال شركا، إنها نفس الآراء والأحكام التي أصدرها بن عبد الوهاب وابن تيميه وتكاد الألفاظ والعبارات أن تكون واحدة على نحو ما بينا في المقدمة).
ويذكر الدكتور شلبي أن التعايشي (خليفة المهدي) أعلن إلغاء المذاهب والطرق الصوفية حتى لا يبقى إلا الدين الخالص.
(التعايشي) والبحث عن مهدي!!
الدور الذي لعبه عبد الله التعايشي (خليفة المهدي) ووارث دولته بعد موته يحتاج أيضا إلى وقفة تأمل إذ أن هذا النوع من الرجال هو آفة من آفات الحركة الإصلاحية بل آفة من آفات هذا الدين فهو قد جمع بين خصلتين من أسوأ وأحط الصفات فهو من ناحية لا يبالي بما أفسد أو خرب حيث لم يمنعه من التقدم لقيادة مسيرة (اَلْفَسَادَ إِلاَّ مَهَانَةُ نَفْسِهِ وَكَلاَلَةُ حَدِّهِ وَنَضِيضُ وَفْرِهِ) وهو من ناحية أخرى ممن (يَطْلُبُ اَلدُّنْيَا بِعَمَلِ اَلْآخِرَةِ وَلاَ يَطْلُبُ اَلْآخِرَةَ بِعَمَلِ اَلدُّنْيَا قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ وَاِتَّخَذَ سِتْرَ اَللَّهِ ذَرِيعَةً إِلَى اَلْمَعْصِيَةِ) كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع).
كان هذا التعايشي كما يذكر الدكتور شلبي تواقا إلى النفوذ والسلطة وقد بذل والده عناية خاصة في تعليم أبنائه ولكنه وجد عناء معه إذ اشتهر بانصرافه عن علوم الدين وحفظ القرآن فكان أن انشغل بهذا النوع من المغامرات والبطولات فانضم للرزيقات في حربهم مع الزبير رحمة باشا ووقع أسيرا في يديه فأمر بقتله لولا أن تشفع فيه الفقهاء ورجال الدين فأن أرسل إلى الزبير باشا رحمة أنه حلم حلما رأى فيه أنه المهدي المنتظر وأنه أي عبد الله التعايشي سيكون وزيره فزجره الرجل وأمره بألا يعود إلى هذا الدجل الرخيص!!.
ثم ذهب إلى الشيخ محمد شريف نور الدائم شيخ الطريقة السمانية وقال له: أنت المهدي المنتظر! أي أن الرجل كان يبحث عن مهدي منتظر ليكون مستشاره ووزيره (ووصيه ووارثه من بعده!!) وقد رفض الشيخ محمد شريف هذه اللعبة ثم قال له: إن كنت تبحث عمن يقول ذلك فعليك بتلميذي السابق محمد أحمد الذي كان في ذلك الوقت يقيم قبة على قبر شيخه القرشي وكان الشيخ القرشي قد أعلن أن من يختن أولاده ويبني قبة على ضريحه سيكون هو المهدي وبينما هو على هذا الحال إذ وفد عليه التعايشي وخر ساجدا بين قدميه يتمرغ ويبكي وحين سأله محمد أحمد عن سبب ذلك قال: كان لي أب صالح من أهل الكشف وقد أخبرني قبل وفاتي أنني سأقابل المهدي وأكون وزيره فلما حضرت إليك رأيت فيك العلامات التي أخبرني بها والدي فابتهج قلبي لرؤية مهدي الله وخليفة رسوله.
ثم يقول الدكتور شلبي: لقد كان التعايشي هو الذي دفع محمد أحمد للمسارعة بإعلان دعوته ولو تأخر عشر سنوات (في إبلاغه بهاذ الكشف الهام والخطير!!) لتأخرت الدعوة عشر سنوات وقد حفظ محمد أحمد للتعايشي هذه اليد وجعله الوارث لدعوته وخلافته من بعده وهدد كل من يتناول أعماله وتصرفاته بالنقد (لأن جميع أعماله وأحكامه محمولة على الصواب ولأنه أوتي الحكمة وفصل الخطاب ولو كان حكمه على قتل نفس منكم أو سلب أموالكم ومن تكلم في حقه ولو بالكلام النفسي فقد خسر الدنيا والآخرة ويخشى عليه من الموت على سوء الخاتمة... وقد أتانا خبر من الخضر عليه السلام أن الأولياء اجتمعوا في بيت المقدس يقولون: الحمد لله الذي أظهر المهدي وجعل عبد الله وزيره ثم وجد أي الخضر اجتماع الشياطين وهم يقولون كان عيشنا بالغش والخداع فأتى المهدي وقطع علينا عيشنا ولولا أن عبد الله وزيره لكنا نجد في المهدية دخولا فحيث علمتم ذلك يا أحبابي أن الخليفة عبد الله مني وأنا منه فتأدبوا معه كتأدبكم معي فجميع ما يفعله بأمر النبي أو بإذن منه لا بمجرد اجتهاد منه ولا هو عن هوى بل هو نائب عنه في تنفيذ أمره).
انتهى الأمر بمهدي السودان المزعوم كما هو معلوم ولسنا في حاجة لسرد واستقصاء وقائع وأحداث التاريخ فهاهم أحفاده الآن في السودان يتحدثون عن الديموقراطية والليبرالية ولم يبق من ذكريات هذا المزعوم إلا بعض الألقاب والذكريات.
خلفاء المهدي
قام مهدي السودان بتعيين (خلفاء) ولكنهم ليسوا خلفاء له، بل كانوا خلفاء قادة الحكم الإسلامي الأوائل فالمهدي هو خليفة رسول الله أما عبد الله بن محمد (التعايشي) فكان خليفة أبي بكر أو (خليفة الصديق)، أما علي محمد حلو فكان (خليفة عمر بن الخطاب) ومنح قريب المهدي محمد شريف بن حامد منصب (خليفة علي) نسيب النبي وابن عمه (خليفة الكرار) وبقي مكان واحد ظل شاغرا هو منصب (الخليفة الثالث عثمان بن عفان)، وبعد أن استولى المهدي على الأبيض دعا محمد بن المهدي بن السنوسي زعيم الطائفة السنوسية في جغبوب لقبول منصب الخليفة الثالث ولكنه لم يتسلم ردا على خطابه ولم يتم ملء ذلك المنصب (فظل شاغرا إلى الآن!!).
أما كيف ملأ (المهدي) هذه المناصب فيحكي هولت نقلا عن محمد أحمد (ثم حصلت حضرة عظيمة عين فيها النبي(ص) خلفاء أصحابه من أصحابي فأجلس أحد أصحابي على كرسي أبي بكر الصديق وأحدهم على كرسي عمر وأوقف بكرسي عثمان وقال هذا الكرسي لابن السنوسي إلى أن يأتيكم بقرب أو طول وأجلس أحد أصحابي على كرسي علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين وما زالت روحانيتك معنا في بعض الحضرات مع بضع أصحابي الذين هم خلفاء رسول الله(ص)).[7]
إنها نفس الشعارات التي رفعتها وما زالت ترفعها أغلب الحركات الإسلامية عن مقاومة الظلم والفساد ومحاربة الشرك وانحراف العقيدة الذي ملأ أطباق السماوات والأرض فضلا عن تعطيل الحكم بما أنزل الله من دون أن يحاول أي من هؤلاء أن يحدد لنا متى ظهر هذا الفساد أو متى انتهى العمل بأحكام الشريعة الإسلامية ناهيك عن استبدال ظلم بظلم وقتلة ومصاصي دماء بقتلة آخرين ومصاصي دماء آخرين وكل ما هنالك أن الظلم الجديد يحمل راية الإسلام والتجديد أو راية المهدي السوداني أو خليفته التعايشي!!.
المهدي المنتظر: حدث داخل السياق
لسنا في وارد عرض ما هو معلوم من الأدلة والبراهين المتعلقة بإثبات حقيقة المهدي المنتظر أرواحنا لمقدمه الفداء خاصة تلك المتعلقة بشخصه الشريف فهو شخص معلوم لشيعة أهل البيت وهم ينتظرون ظهوره ويعدون أنفسهم ليكونوا من جنده وأعوانه لأن الأمر يتعلق بمنهجية أهل البيت(ع) التي هي امتداد للمنهج الإسلامي الذي جاء به رسولنا الأكرم محمد(ص) وبلغه للأمة الإسلامية وهو المنهج الذي أودعه رسولنا(ص) لوصيه علي بن أبي طالب من بعده ومن ثم فقد انتقل هذا المنهج من إمام إلى إمام حتى استقر عهدة صاحب الأمر والزمان الإمام الحجة المنتظر محمد بن الحسن العسكري(عج).
الأمر إذا (حدث داخل السياق)، السياق المنهجي والسياق التاريخي الذي شهد صراعا داميا بدأ عشية رحيل رسول الله(ص) وما زال مستمرا حتى هذه اللحظة بين النهج المحمدي العلوي الرسالي ونهج الانحراف المضاد عن منهج الله الذي حمل أمانته أهل بيت النبوة عليهم أفضل الصلاة وأتم السلام.
الظلم باسم الإسلام لم يبدأ عشية الاحتلال التركي أو المصري للسودان ولكنه بدأ يوم أزيح علي بن أبي طالب من موقع ولاية أمر المسلمين وخلافة رسول الله(ص) وكان كل ما جرى من ظلم بعد ذلك فرعا على هذا الظلم الأصلي فاستحق بذلك من ظلموا آل محمد وقاتلوا عليا ثم قتلوا الحسين بن علي(ع) لقب (أصول الظالمين) الذين يتعين اقتلاع ظلمهم وفسادهم حتى تطهر الأرض من أدرانها.
من هذه الناحية لن يكون ظهور المهدي ليجتث أصول الظلم والظالمين مفاجأة لشيعته من حيث طبيعة الصراع الذي شنه ويشنه هؤلاء أمس واليوم انتهاء بالحرب التي سيعلنونها على صاحب الأمر والزمان عند ظهوره، ربما باستثناء التوقيت.
لن يكون ولا يمكن أن يكون هناك مهدي وهابي ولا مهدي يعمل برأي من عنده فالأئمة الحقيقيون مهديون بهداية الله وعنايته فكيف يكون المهدي تابعا لابن تيميه وتابعه الضال ابن عبد الوهاب (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)[8] (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).[9]
المهدي إمام من أئمة أهل البيت يأتمر بأمر الله ويعمل بوصية رسول الله(ص) ومن سبقوه من الأئمة سلام الله عليهم أجمعين.
الأهم من هذا أن المهدي الحقيقي سيظهر ليقود المعركة النهائية والأخيرة، معركة اقتلاع الظلم والفساد والانحراف عن الشريعة الإسلامية من جذورها لا من فروعها كما يزعم أدعياء المهدية وقادة الإصلاح المزيفون.
قل من هؤلاء المصلحين المزعومين من توجه لمواجهة قادة الفساد الأصليين الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار وحولوا الدين إلى سلعة تباع وتشترى في سوق النخاسة السياسية المنصوب في قلب الأمة الإسلامية منذ أن انحرفت عن نهج الأئمة من آل محمد(ص).
المهدي الحقيقي (يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ) ومن ثم فمواقفه وأحكامه تأتي مطابقة لأمهات الأحكام القرآنية الجامعة لكل خير والمانعة لكل شر أما هؤلاء المزيفون فيعَطَفُون (الْهُدَى عَلَى الْهَوَى ويعَطَفُون الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ) فيستخرجون من كتاب الله ومن سنة سيد الهدى محمد(ص) ما يبررون به أهواءهم وجرائمهم للناس ولو لم يجدوا من النصوص الشرعية الثابتة ما يروجون به بضاعتهم لجئوا إلى الادعاء بوجود الإلهام والرؤى النبوية المكذوبة والكرامات المزيفة ومخاطبة الخضر لهم ومحاضر اجتماعات الأقطاب ولولم يقدروا على شيء من هذا لجئوا إلى أبواقهم الدعائية المزيِفة كهذا التعايشي الذي عاش يبحث عن مهدي يكون وزيره ومستشاره وخليفته من بعده.
المهدوية الحقيقية تهدف لاجتثاث الظلم والفساد من الجذور لا من الفروع كما يفعل هؤلاء البسطاء وسيكون يوم ظهوره يوم النصر الإلهي الموعود كما جاء في ختام (دعاء الندبة):
مَتى تَرانا وَنَراكَ وَقَدْ نَشَرْتَ لِواءَ النَّصْرِ؟ تُرى أَتَرانا نَحُفُّ بِكَ وَأَنْتَ تَؤُمُّ المَلاَ وَقَدْ مَلأتَ الأرْضَ عَدْلاً وَأَذَقْتَ أَعْدائَكَ هَواناً وَعِقاباً وَأَبَرْتَ العُتاةَ وَجَحَدةَ الحَقِّ وَقَطَعْتَ دابِرَ المُتَكَبِّرِينَ وَاجْتَثَثْتَ أُصُولَ الظَّالِمِينَ.
المهدوية الحقيقية مبدأها رسول الله وهي متصلة به ومن ثم فهي واصلة بالله عزوجل وهي الحبل والسَّبَبُ المُتَّصِلُ بَيْنَ الأرْضِ وَالسَّماء.
دعاء الندبة
يعطينا دعاء الندبة وهو المناجاة التي يبثها الشيعة المتألمون لغيبة إمامهم، المنتظرون لظهور أمره وقيادته المباشرة لمسيرة جهادهم من أجل إعلاء كلمة الله، تصورا شاملا عن رؤيتهم للصراع الدائر بين الحق والباطل، بين العدالة والظلم، تصورا منهجيا واضحا لطبيعة الصراع وجذور الظلم الحقيقية التي يتعين عليهم التصدي لها ومعالجتها بدلا من الاكتفاء بمواجهة الآثار والنتائج التي تستفز أصحاب الرؤى القاصرة فيستفرغون جهدهم وجهد أتباعهم في مواجهتها حتى ولو رفعت هذه المواجهة شعار المهدوية الكاملة أو تلك الناقصة فتكون النتيجة دوما هي الفشل مهما حققت هذه الحركات من نجاحات وانتصارات أولية على خصومها.
لسنا بحاجة إلى سرد كامل الدعاء وسنقتصر على ما يفيدنا في بيان أن التصور الأصلي (غير المزيف أو المفبرك) للمهدوية هو سياق متكامل يقوم على قاعدة المبتدأ والخبر.
المبتدأ:
فَلَمّا انْقَضَتْ أَيّامُهُ (رسول الله(ص)) أَقامَ وَلِيَّهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالِبٍ صَلَواتُكَ عَلَيْهِما وَآلِهِما هادِياً إِذْ كانَ هُوَ المُنْذِرَ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ، فَقالَ وَالمَلاَ أَمامَهُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيُّ مَوْلاهُ، اللّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعادِ مَنْ عاداهُ وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَقالَ: مَنْ كُنْتُ أَنا نَبِيَّهُ فَعَلِيُّ أَمِيرُهُ، وَقَالَ: أَنَا وَعَلِيُّ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ وَسائِرُ النَّاسِ مِنْ شَجَرٍ شَتّى.
وَأَحَلَّهُ مَحلَّ هارُونَ مِنْ مُوسى فَقالَ لَهُ: أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هارُونَ مِنْ مُوسى إِلاّ أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَزَوَّجَهُ ابنته سَيِّدَةَ نِساءِ العالَمِينَ، وَأحَلَّ لَهُ مِنْ مَسْجِدِهِ ما حَلَّ لَهُ، وَسَدَّ الأبواب إِلاّ بابَهُ ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِلْمَهُ وَحِكْمَتَهُ فَقالَ: أَنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِيُّ بابُها فَمَنْ أَرادَ المَدِينَةَ وَالحِكْمَةَ فَلْيَأْتِها مِنْ بابِها. ثُمَ قالَ: أَنْتَ أَخِي وَوَصِيِّي وَوَارِثِي، لَحْمُكَ مِنْ لَحْمِي وَدَمُكَ مِنْ دَمِي وَسِلْمُكَ سِلْمِي وَحَرْبُكَ حَرْبِي، وَالإيْمانُ مُخالِطٌ لَحْمَكَ وَدَمَكَ كَما خالَطَ لَحْمِي وَدَمِي، وَأَنْتَ غَداً عَلى الحَوْضِ خَلِيفَتِي وَأَنْتَ تَقْضِي دَيْنِي وَتُنْجِزُ عِداتِي، وَشِيعَتُكَ عَلى مَنابِرَ مِنْ نُورٍ مُبْيَضَّةً وَُجُوهُهُمْ حَوْلِي فِي الجَنَّةِ وَهُمْ جِيرانِي، وَلَوْلا أَنْتَ يا عَلِيُّ لَمْ يُعْرَفِ المُؤْمِنُونَ بَعْدِي. وَكانَ بَعْدَهُ هُدىً مِنَ الضَّلالِ وَنُوراً مِنَ العَمى وَحَبْلَ الله المَتِينَ وَصِراطَهُ المُسْتَقِيمَ لا يُسْبَقُ بِقَرابَةٍ فِي رَحِمٍ وَلا بِسابِقَةٍ فِي دِينٍ وَلا يُلْحَقُ فِي مَنْقَبَةٍ مِنْ مَناقِبِهِ، يَحْذُو حَذْوَ الرَّسُولِ صَلّى الله عَلَيْهِما وَآلِهِما وَيُقاتِلُ عَلى التَأوِيلِ وَلا تَأخُذُهُ فِي الله لَوْمَةُ لائِمٍ ؛ قَدْ وَتَرَ فِيهِ صَناديدَ العَرَبِ وَقَتَلَ أَبْطالَهُمْ وَناوَشَ ذُؤْبانَهُمْ فَأَوْدَعَ قُلُوبَهُمْ أَحْقاداً بَدْرِيَّةً وَخَيْبَرِيَّةً وَحُنَيْنِيَّةً وَغَيْرَهُنَّ، فَأَضَبَّتْ عَلى عَداوَتِهِ وَأَكَبَّتْ عَلى مُنابَذَتِهِ حَتى قَتَلَ النَّاكِثِينَ وَالقاسِطِينَ وَالمارِقِينَ.
الإصرار على نهج الانحراف:
وَلَمَّا قَضى نَحْبَهُ وَقَتَلَهُ أَشْقى الآخِرينَ يَتْبَعُ أَشْقَى الأوّلِينَ لَمْ يُمْتَثَلْ أَمْرُ رَسُولِالله(ص) فِي الهادِينَ بَعْدَ الهادِينَ، وَالأمَّةُ مُصِرَّةٌ عَلى مَقْتِهِ مُجْتَمِعَةٌ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمِهِ وَإِقْصاءِ وُلْدِهِ إِلاّ القَلِيلَ مِمَّنْ وَفى لِرِعايَةِ الحَقِّ فِيهِمْ، فَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ وَسُبِيَ مَنْ سُبِيَ وَأُقْصِيَ مَنْ أُقْصِيَ وَجَرى القَضاء لَهُمْ بِما يُرْجى لَهُ حُسْنُ المَثُوبَةِ.
قانون الله الحاكم:
إِذْ كانَتِ الأرْضُ للهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وَسُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً وَلَنْ يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ.
التمسك بنهج الحق والثبات عليه وانتظاره
الصفات المهدوية الكاملة
فَعَلى الأطائِبِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ صَلّى الله عَلَيْهِما وَآلِهِما فَلْيَبْكِ الباكُونَ وَإِيّاهُمْ فَليَنْدُبِ النّادِبُونَ وَلِمِثْلِهِمْ فَلْتَذْرِفِ الدُّمُوعُ وَلِيَصْرُخِ الصارِخُونَ وَيَضِجَّ الضَّاجُّونَ وَيَعِجَّ العاجُّونَ! أَيْنَ الحَسَنُ أَيْنَ الحُسَيْنُ أَيْنَ أَبْناءُ الحُسَيْنِ؟ صالِحٌ بَعْدَ صالِحٍ وَصادِقٌ بَعْدَ صادِقٍ! أَيْنَ السَّبِيلُ بَعْدَ السَّبِيلِ أَيْنَ الخِيَرَةُ بَعْدَ الخِيَرَةِ؟ أَيْنَ الشُّمُوسُ الطَّالِعَةُ؟ أَيْنَ الأقْمارُ المُنِيرَةُ؟ أَيْنَ الأنْجُمُ الزّاهِرَةُ؟ أَيْنَ أَعْلامُ الدِّينِ وَقَواعِدُ العِلْمِ؟ أَيْنَ بَقِيَّةُ الله الَّتِي لا تَخْلُو مِنَ العِتْرَةِ الهادِيَةِ؟ أَيْنَ المُعَدُّ لِقَطْعِ دابِرِ الظَّلَمَةِ؟ أَيْنَ المُنَتَظَرُ لإقامَةِ الأمْتِ وَالعِوَجِ؟ أَيْنَ المُرْتَجى لإزالَةِ الجَوْرِ وَالعُدْوانِ؟ أَيْنَ المُدَّخَرُ لِتَجْدِيدِ الفَرائِضِ وَالسُّنَنِ؟ أَيْنَ المُتَخَيَّرُ لإعادَةِ المِلَّةِ وَالشَّرِيعَةِ؟ أَيْنَ المُؤَمَّلُ لإحْياءِ الكِتابِ وَحُدُودِهِ؟ أَيْنَ مُحْيِي مَعالِمِ الدِّينِ وَأَهْلِهِ؟ أَيْنَ قاصِمُ شَوْكَةِ المُعْتَدِينَ؟ أَيْنَ هادِمُ أَبْنِيَةِ الشِرْكِ وَالنِّفاقِ؟ أَيْنَ مُبِيدُ أَهْلِ الفُسُوقِ وَالعِصْيانِ وَالطُّغْيانِ؟ أَيْنَ حاصِدُ فُروعِ الغَيِّ وَالشِّقاقِ؟ أَيْنَ طامِسُ آثارِ الزَّيْغ ِوَالأهْواءِ؟ أَيْنَ قاطِعُ حَبائِلَ الكِذْبِ وَالاِفْتِراءِ؟ أَيْنَ مُبِيدُ العُتاةِ وَالمَرَدَةِ؟ أَيْنَ مُسْتَأصِلُ أَهْلِ العِنادِ وَالتَّضْلِيلِ وَالإلحادِ؟ أَيْنَ مُعِزُّ الأوْلِياء وَمُذِلُّ الأعداء؟ أَيْنَ جامِعُ الكَلِمَةِ عَلى التَّقْوى؟ أَيْنَ بابُ الله الَّذِي مِنْهُ يُؤْتى؟ أَيْنَ وَجْهُ الله الَّذِي إِلَيْهِ يَتَوجَّهُ الأوْلِياء؟ أَيْنَ السَّبَبُ المُتَّصِلُ بَيْنَ الأرْضِ وَالسَّماء؟ أَيْنَ صاحِبُ يَوْمِ الفَتْحِ وَناشِرُ رايَةِ الهُدى؟ أَيْنَ مُؤَلِّفُ شَمْلِ الصَّلاحِ وَالرِّضا؟ أَيْنَ الطّالِبُ بِذُحُولِ الأَنْبِياءِ وَأَبْناءِ الأَنْبِياءِ ؟ أَيْنَ الطَّالِبُ بِدَمِ المَقْتُولِ بِكَرْبَلاَء؟ أَيْنَ المَنْصُورُ عَلى مَنْ اعْتَدى عَلَيْهِ وَافْتَرى؟ أَيْنَ المُضْطَرُّ الَّذِي يُجابُ إِذا دَعا؟ أَيْنَ صَدْرُ الخَلائِقِ ذُو البِرِّ وَالتَّقْوى؟ أَيْنَ ابْنُ النَّبِيِّ المُصْطَفى وَابْنُ عَلِيٍّ المُرْتَضى وَابْنُ خَدِيجَةَ الغَرَّاءِ وَابنُ فاطِمَةَ الكُبْرى ؟!
بِأَبِي أَنْتَ وَأمِّي وَنَفْسِي لَكَ الوِقاءُ وَالحِمى يَابْنَ السّادَةِ المُقَرَّبِينَ يَابْنَ النُجباءِ الاَكْرَمِينَ يَابْنَ الهُداةِ المَهْدِيِّينَ يَابْنَ الخِيَرَةِ المُهَذَّبِينَ يَابْنَ الغَطارِفَةِ الأنْجَبِينَ يَابْنَ الأطائِبِ المُطَهَّرِينَ يَابْنَ الخَضارِمَةِ المُنْتَجَبِينَ يَابْنَ القَماقِمَةِ الاَكْرَمِينَ، يَابْنَ البُدُورِ المُنِيرَةِ يَابْنَ السُّرُجِ المُضِيئَةِ يَابْنَ الشُّهُبِ الثَّاقِبَةِ يَابْنَ الاَنْجُمِ الزَّاهِرَةِ يَابْنَ السُّبُلِ الواضِحَةِ يَابْنَ الأعْلامِ اللائِحَةِ، يَابْنَ العُلُومِ الكامِلَةِ يَابْنَ السُّنَنِ المَشْهُورَةِ يَابْنَ المَعالِمِ المَأثُورَةِ يَابْنَ المُعْجِزاتِ المَوْجُودَةِ يَابْنَ الدَّلائِلِ المَشْهُودَةِ، يَابْنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ يَابْنَ النَّبَأ العَظِيمِ يَابْنَ مَنْ هُوَ فِي أمِّ الكِتابِ لَدَى الله عَلِيُّ حَكِيمٌ، يَابْنَ الآياتِ وَالبَيِّناتِ يَابْنَ الدَّلائِلِ الظّاهِراتِ يَابْنَ البَراهِينِ الواضِحاتِ الباهِراتِ يَابْنَ الحُجَجِ البالِغاتِ يَابْنَ النِّعَمِ السَّابِغاتِ يَابْنَ طهَ وَالمُحْكَماتِ يَابْنَ يسَّ وَالذّارِياتِ يَابْنَ الطُّورِ وَالعادِياتِ، يَابْنَ مَنْ دَنى فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى دُنُواً وَاقْتِراباً مِنَ العَلِيِّ الأعْلى!
هذه هي المهدوية الحقيقية التي يعرفها شيعة أهل البيت ويعملون في إطارها ويمهدون من خلالها لظهور خليفة رسول الله الحقيقي خليفة علي والأئمة من بعده، صالِحٌ بَعْدَ صالِحٍ وَصادِقٌ بَعْدَ صادِقٍ! فهم السَّبِيلُ بَعْدَ السَّبِيلِ والخِيَرَةُ بَعْدَ الخِيَرَةِ وهم الشُّمُوسُ الطَّالِعَةُ والأقْمارُ المُنِيرَةُ والأنْجُمُ الزّاهِرَةُ وهم أَعْلامُ الدِّينِ وَقَواعِدُ العِلْمِ وهم الأئمة الذين يهدون بأمرنا فاستحقوا بذلك لقب المهدي المنتظر الذي يملأ الأرض عدلا بعدما ملئت ظلما وجورا (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ* يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ*وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ* يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).[10]
--------------------------------------------------------------------------------
[1]. سورة طه / 96.
[2]. محمد عبد الله الخطيب: البنا أعجوبة الزمان، إخوان أون لاين، 15/2/2004.
[3]. http://www.ikhwanonline.com/ik/Article.asp? ID=24694&SectionID=111.
[4]. الأصول الفكرية لحركة المهدي السوداني ودعوته، د عبد الودود شلبي، دار المعارف، مصر 1979.
[5]. سورة القصص / 83.
[6]. سورة الانفال / 24.
[7]. ب. م. هولت دولة المهدي في السودان عهد الخليفة عبد الله، دار الجيل بيروت، ط فبراير 1982.
[8]. سورة الانبياء / 73.
[9]. سورة السجدة / 24.
[10]. سورة الروم / 4ـ7.
الحكومة والمجتمع الأسلامي في عصر الغيبة
إن قضية الأمام المهدي(عج) ذات جوانب و وجهات متعدده، وقد اخترت لكم الحديث عن جانب من تلك الجوانب، وهو جانب الحكومة والمجتمع الأسلامي في عصر الغيبة وكان اختياري لموضوع دراسة الأفات السياسية والإجتماعية في ثقافة الأنتظار (الأضرار والإنحرافات).
إن حالة الفراغ العقيدي والخواء الروحي التي تعاني منها البشرية اليوم هي التي تفسر لنا حالة التخبط والفوضى يتبعها القلق والأضطراب على الصعيدين النفسي والفكري، وهذا بدوره يفسر لنا سبب تردي الأخلاق والأنحدار المخيف في القيم والمبادئ الذي تمثله أغلبية المجتمعات الغربية وبعض المجتمعات المسلمة، فأن لغة القوة والعنف هي اللغة السائدة في يومنا هذا والقهر والأضطهاد علامات واضحه يمثلها الأرهاب والتشوش الحضاري والفكري مخلفا وراءه بصمات جلية على كافة مجالات الحياة.
فالأخلاق والقيم والمبادئ لايكاد يعتمد عليها إلا في مناسبات نادره وظروف خاصه، وفي خضم هذه الظروف المسحونه بالقلق والمحمله بالخوف مما قد يحمله الغد، وفي ظل مشاكل متعشبه وهواجس مخيفة يعاني منها المسلمون، وبعد أن حاول الغربيون بواسطه سبلهم الغير سليمه وأسالبيهم الملتويه وإعلامهم المشحون بالخبث والفساد الفكري تحت شعارات كبيره وعناوين خلابه للتأثير على فكر الأنسان المسلم، ومحاوله التأثير عليه وخاصة طبقة الشباب من ابناء الأمة الأسلامية.
في خضم هذه الأجواء يكون من واجب الأنسان المسلم ومن وراءه الحكومه والمجتمع الأسلامي في هذا الوقت العصيب وفي عصر الغيبه سلوك طريق التحدى الحضاري الذي تواجهه الأمه المسلمة في سبيل نشر حقائق الأسلام والمعارف والأحكام والمبادئ الأسلامية والمحافظه على الأخلاق والسلوك الأسلامي في مجالات الحياة المتنوعه، ورصد المتربصين بالإسلام ومحاولة كشف مكرهم وكيدهم والأخذ بيد الشباب لحمايتهم ومحاوله الوقوف الى جانبهم ومساندتهم والوصول الى الشباب بكافة الوسائل الممكنه، وتحذيرهم من وسائل الأعلام المضلله ولمعانها وإغراءاتها آخذين بنظر الأعتبار محاوله ايجاء وسائل ترابط بين الشباب وبين المجتمع الأسلامي وذالك بإيجاء طرق وحلول للتفاهم معهم سالكين بذالك طرق حواريه موضوعيه وشموليه بسيطه والتركيز على استقطاب الشباب الواعي المثقف والمحاوله من تذليل العقابت التي تقف بينهم وبين الجيل السابق وذالك بإيجاء طرق واساليب تتماشى مع العصر الحاضر والإنفتاح الفكري محاولين توعية الشباب وفتح نوافذ أمامهم حول معتقات الإسلام وبخاصة حول قضية الإمام المهدي المنتظر(عج).
ونحن من موقعنا حيث أننا نعيش في مجتمعات غربية بعيده كل البعد عن الأجواء الإسلامية وعن عقائد الأسلام القيمة، وجب علينا لفت أنظار الشباب الى هذه العقائد والسير على منهاج يدور حول عدة محاور هادفه وضاءه تطرح الفكر الإسلامي وتسلط الضوء على الفكر الإسلامي الشيعي والتركيز على الموضوعات الهامه مع تناول العرض والنقد والتحليل الموضوعي من خلال إقامة الحوار المفتوح معهم والمناقشات الأيجابية الحره واللتي بالتأكيد تأدي الى الحصول الى أفضل النتائج بعون الله تعالى ويكون ذالك من خلال عقد ندوات عقائدية واستضافة أساتذه ومفكرين من الحوزات العلمية ومحللين أصحاب كفاءه وحيازه علمية عاليه.
وختم الزاد الحلوى وأحلى الكلام آخره وحلاوة الكلام تكون في طلب الحقائق من ينابيع الإسلام الصافية وذالك بالتركيز على استلهام روح القرآن المجيد ومحاولة إقامة حلقات لشرح وتفسير آي القرآن المجيد وتعويد الشباب الرجوع الى الآيات القرآنية وروايات النبي محمد(ص) وأهل البيت(ع) والتي وزنها وزن القرآن الكريم حيث إنها تخاطب الناس كل الناس في كل العصور.
وقد قال الأمام علي(ع): أصحاب المهدي شباب لاكهول فيهم، إلا مثل كحل العين والملح في الزاد، واقل الزاد الملح.[1]
فياشباب الأسلام الغيارى انهضوا بمسؤوليتكم وكونوا انصار الله، انصار للمهدى(عج) الذي سيملأ العالم عدلاً وقسطاً، عيشوا حلاوة الأنتظار، كونوا مع الحق فالحق لابد منتصر على الباطل.
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على محمّد و آل محمّد، اللهم إنا نرغبُ اليك في دولة كريمة تُعز بها الإسلام وأهله وتُزلُ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة الى طاعتك والقادة الى سبيلك.
الصبي القادم من رَحم البشارات، يحمل ملامح النبؤات الغابرة، يحمل ُمن موسى بن عمران خشيتهُ لفرعون، وكان يبحثُ عنه جنيناً... ويحملُ من المسيح عيسى بن مريم كلماتهُ في المهد صبياً، ويحمل من نوح عمرهُ الطويل، ومن إبراهيم فأسهُ التي هشمَ بها وجوه الآلهه المزيفة، ومن محمد الآمين(ص) إسمه وكنيته ورسالته.[2]
وأما إسماعيل فقد سمعتُ قولك فيه، وها أنذا أُباركهُ وأنميّه واكثر عدده جداً جداً، ويلد اثني عشر رئيساً، واجعلهُ امةً عظيمةً.[3]
قال الإمام الحسن العسكري(ع) لأحمد بن إسحاق الأشعري:
يا أحمد بن إسحاق ان الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم(ع) ولا يُخليها الى ان تقوم الساعة من حجةٍ على خلقهِ، بهِ يدفعُ البلا عن أهل الأرض وبهِ ينزلُ الغيثُ، وبه تخرج بركات الأرض...يا أحمد بن إسحاق بن إسحاق مثلهُ في هذه الأمة مثيل الخضر(ع) ومثله مثل ذي القرنيين(ع) ...و الله ليغيبن غيبة لا ينجو فيها من الهلكةِ إلا من ثبتهُ الله عزوجل على القول بأمامته ووفقهُ الله للدعاء بتعجيل فرجه.
التفت الإمام الحسن(ع) الى ابنه وقد انفلق عمود الفجر الصادق من يوم 8 ربيع الاول، سنة 260 هجرية، المصادف 31 كانون الأول عام 873 ميلادية:
بُنّي الحبيب: أنت صاحب الزمان... أنت المهدي الذي بشرَ بكَ الرسول... وأخبر بكَ..إسمك إسمه وكنيَتُكَ كنيتُهُ. وهذا هو عهدُ ابائي قد جاء... وفي تللك اللحظات الندية بالدموع شعر الصبي بأن قلبهُ يُضيء بنورٍ قادم من قلب السماوات... سوف تواجهكَ المحن... يا بشارة الأنبياء... وسوف تطاردُكَ رياح الزمهرير... كفراشة جاءت تبشر بالدفء والربيع... اهٍ أيها الآمل القادم من رحم النبؤات الغابرة!!
يا بُنّي: ان الله جل ثناؤه لم يكن ليخْلي أرضهُ وأهل الجد من طاعتهِ وعبادته بلا حُجةِ يُستعلى بها، وامام يؤتَمُ بهِ، ويقتدى بسبيل سُنتهُ ومنهاج قصده.
وأرجو يا بُنّي أنْ تكون أحد من أعدهُ الله نشر الحق، وطي الباطل، وإعلاء الدين، واطفاء الضلال.
فعليك يا بُنّي بلزوم خوافي الأرض وتتبعِ أقصاها، فأن لكل ولي من اولياء الله عدداً مقارعاً، وحفداً منازعاً فلا يوحشنك ذلك... أسكـُُن في البراري البعيدة... وفي الجبال الوعرة.. ليحرسنك الله يا بُنّي.
إن الإنتظار الإيجابي هو الإنتظار المطلوب لأنهُ يبعث في القلوب المؤمنة الطمأنية و السلام... وجاءت البشارات لتمُد المستضعفين بروح الصمود والمقاومة، فالتفائُل هو انفس مايملكهُ الذي ينظر الى الغد فيراهُ ملئ بواحات خضراء مليئة بالوان الربيع الرائعة.[4]
اليكُم أيها الشباب. يا شباب الإسلام، يا منار المستقبل، يا بناة الغد، اليكم يا احبتي أهدي كلماتي المتواضعة هذه..
الشباب دائماً يتساءلون، وذلك لأنهم في حالة من التجدد المستمر. لذا فأن جيل الشباب محمل باسئلة كثيرة عما يرتبط به من قريب وبعيد و علينا دائماً أن نستوعب هموم الشباب والأمر الأكثر أهمية في حياة الشباب هو البحث عن السعادة والنجاح والطريق اليهما غالباً طريقاً مهماً لا يكتشفونهُ غالباً إلا بعد جهدٍ وعناء وتأخر وسبب هذا التأخر يكون اما قوة وسائل الإعلام المضللة ولمعانها وإغرائها أو عدم التمكن من الوصول بسهولة، هذا بالإضافة الى مظاهر الدُنيا الخلابة الخطط الماكرة والمكائد المهرة من قبل أعداء الإسلام لأستقطاب الشباب ومحاولة التأثير عليهم بكل الوسائل لحمل الخبيثة ومحاولة التأثير على فكر الإسلام المسلم، قال تعالى في كتابه العزيز...
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ* هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).[5]
وبالإضافة الى ذلك عدم تفهم أغلب العلماء لحاجات الشباب المتغيرة في الوقت الحاضر وذلك للتباعد الموجود بين الشباب والعلماء وعدم مواكبة مشاكلهم وهمومهم وغياب لغة التفاهم بين الطرفين. ولكن مهما كانت العقبات كؤوده والتواصل صعب فان المسؤولية الدينية تناديهم الى حيث الواجب والقيام بالمستطاع ومحاولة خلق امكانيه العمل لهداية الشباب الى الطريق القويم والى دين الحق.
نعم لابد من التسليم بأن جيل الشباب اليوم بالرغم من كثرة عددهم فأن مسائلهم وإحتياجاتهم كثيرة ايضاً، فقد أصبح الشباب اليوم بين طرفي المقص، حيث المستحدثات وتفرعاتها من جهة وجميع مايوجهه الإستعمار من المكائد والمفاسد المدروسة و الموجهه بثقافاتها المختلقة الى الشباب من جهة آخرى.
ولنا أن ننادي في شبابنا نداء الفطرة الصعبة التقية، نداء استغاثه وإستنهاض، نداء محبة و توجُش، نداء بفتح امامهم ونبذ التفرق والإختلاف... نداء يُرجعْ الشباب الى فطرتهم السليمة حيث إنها الركيزة اللأهم لأنقاذهم من كل المخاطر المُحدقة لهم وهذا كلهُ يتم بتسديد من الباري عزوجل، انه ولي التوفيق.
وأتوجه الآن الى ان أتحدث عن أحوال المسلمين في بلاد المهجر بلاد الغربة بصورة عامة وعن أحوال الشباب بصورة خاصة المسلمين في بلاد الغربة وخاصة في البلاد الغربية.
يعيشون حياة تختلف بعض الإختلاف عن حياة في البلدان الإسلامية حيث انهم بالإضافة الى بعد المسافة فانهم بعيدون عن الأحداث وما يجري ي بلدانهم وبلاد المسلمين من مشاكل على كافة الاصعدة الا ما يصلهم من خلال محطات التلفاز، ماتبثهُ الإقمار الاصطناعية ومن خلال شبكة الانترنت. وهذا طبعاً غير كافي للإطلاع على مجريات الأحداث ومايجري في البلدان الإسلامية بالإضافة الى أن مجرى الحياة مختلف عنه في الدول الغربية وذلك من جميع النواحي الأقتصادية و الإجتماعية.
أما بالنسبة للشباب، فسأتكلم عنهم من خلال تجربتي حيث انني أم لخمسة أولاد، إثنان منهم ذكور وثلاث أناث وأعمارهم مختلفة فتتراوح مابين الثانية عشر والثامنة والعشرين وهم الذكور تتوسطهم ثلاث فتيات أعمارهم هنَ السابعة عشر والتاسعة عشر والرابعة والعشرين. نحن نعيش في دولة نيوزلندا وهي دولة نائية من حيث المسافة ومن حيث البعد عن البلاد الإسلامية. وكان وصولنا الى نيوزلندا في عام 1996 ميلادية، أي قبل احد عشر عام. وخلال هذه السنوات مررنا بعدة مراحل ابتداء بالوصول الى المجهول حيث أن السنوات الاولى كانت مليئة بالمتناقضات حيث البلد الغريب، والثقافات المختلفة والأديان الكثيرة المتشعبة، واللغات ، والعادات والقوانين و... الخ. وان ننسى ساعة هبوط الطائرة الى المطار النيوزلندي كيف إنهمرت الدموع ساخنة من عيني حيث اني كنت بصحبة خمسة أولاد ينتظرهم المجهول... وخلال فترة إقامتنا في هذه الدولة مررنا بعدة مراحل. إبتداءاً بمرحلة الوصول حيث كانت السنوات الإولى سنوات مليئة بالمتناقضات حيث البلد الغريب والثقافات والعادات والقوانين المختلفة والاديان الكثيرة و المتشعبة و... الخ.
لكن والحمد لله في الأيام الأولى من وصولنا بدأنا السؤال عن أي مركز إسلامي أو حسينية أو أي شيء أو مكان له إرتباط بآل البيت(ع)، وقد وفقنا الله سبحانهُ وتعالى الى حسينية آل البيت(ع) وكانت هي الملاذ والمنبع الصافي والمنهل العذب والأرض الخصبة لنا ولأولادنا ولكل أتباع آهل البيت عليهم السلام. وبدأت مرحلة التكيف والتعايش حيث أن البلد مليء بالأديان المختلفة والملحدين والكثير من الناس ليس لهم دين أو معتقد، حيثُ حرية إختيار الأديان والمعتقدات والثقافات وهكذا بدأت مرحلة التكيف مع هذا البلد والمجتمع الغربي.
والشباب المسلم في هذا البلد يعاني الكثير، وأول المعانات تكمن في الإختلاف الجذري بين الدين الإسلامي ومبادئه وإخلاقياته وبين أخلاق و ثقافة البلد الجديد. وبالطبع فإن معاناتهم تتجاوز الحد في الوصف وقد مَن عليَ الله في مطلع هذا العام بزيارة البلد العزيز ايران ووفقني لزيارة العتبات والمشاهد المقدسة. وقد لمست الفرق الكبير بين ان يدرج الإنسان في بلاد المسلمين والذين يترعرعون في بلاد الغربة. ولكن نطلب من الباري عز وجل أن يوفقنا لأداء هذه الأمانة بحق أولادنا وديننا وبلادنا ان شاء تعالى.
في جمهورية إيران الإسلامية وبعد نجاح الثورة الإسلامية بدأ الإهتمام لعقيدة الإمام المنتظر في الإرتفاع وقد حصل هذا أيضاً في بلدان العالم الإسلامي حيث بدأ الحديث عنه وبدأ الناس بالقراءة والمتابعة و التألق. وهذا ما حصل أيضأ في بلاد غير المسلمين ومن فئات غير مسلمة. وقد صدرت أعمال إعلامية كثيرة حول الإمام المهدي عليه السلام والذي يتعلق بعقيدة المهدية مباشرة، فإن أنتاج فيلم (نوسترا داموس) والذي كان بثهُ خلال الشبكات التلفزيونية الأمريكية وعلى مدى ثلاثة أشهر متواصلة وكان الفلم يحكي قصة حياة مُنجم وطبيب فرنسي وهو (ميشيل نوستر آدموس) الذي عاش قبل 500 سنة وكان قد كتب نبؤات متعددة عن المستقبل وأهم ما يبرز منها هو نبوءته بظهور حفيد النبي محمد(ص) والذي سوف يوحد رآية المسلمين تحت رايته وبأنهُ سينتصر على الأوربيين، وأنهُ سيدمر المدن العظيمة في الأرض.
ومن الظاهر بأن وراء صناعة هذا الفلم يختفي الكثير من أعداء الإسلام وأغلبهم من اليهود، وكان من الواضح أن الهدف الأساسي منه هو تعبئة الشعوب الأوربية بصورة عامة والشعب الأمريكي بشكل خاص ضد المسلمين، وإعتبار أن الدين الإسلامي والمسلمين يهددان الغرب وحضارته، إذا لاحظنا الزيادات التي كانوا قد أضافوها الى نبوءة نوستر أدموس فإنهم أضافوا بأن أمريكا بعد الهزيمة التي يوقعها الإمام المهدي(عج)، وتدمير مدينة واشنطن وأعداد آخرى من المدن بواسطة صواريخ الإمام عليه السلام، فإنها ستتوصل الى عقد إتفاقية مع روسيا وذلك لمواجهته وتحقيق النصرعليه.
يبدو أن مؤلف الكتاب الذي حُول الى فلم كان قد إطلع على المصادر الإسلامية التي تتكلم عن الإمام المهدي عليه السلام وأنهُ قد تعرف على بعض علماء الإسلام فقد عاش فترة من الزمن في إيطاليا وجنوب فرنسا والأندلس.
لكن هذا الكتاب سرعان ما انتشر بعد إنتصار الثورة الإسلامية وظهرت الطبعات والتفاسير العديدة والشروح بآلاف النسخ بل الملايين.
أن اهم ما يتقلق الغربين هو شعورهم بخطى البعث الإسلامي الذي يهددهم ويهدد مصالحهم التي يمتلكونها من خلال تسلطهم على الشعوب المسلمة، وهذا ما جعلهم يسارعون الى إنتهاز أي معلومة إعلامية جديدة ليعلنوا الى شعوبهم عن منافذ الخطر، وذلك بلفت إنتباههم الى البلاد الإسلامية وخاصة إيران، مصر، العراق، مكة المكرمة، وذلك للحصول على تأييد الشعوب والتي هم في غنى عنها ولكنه مجرد تأييد شكلي لتنفيذ خططهم الإستعمارية.
أما بالنسبة لليهود فإن هدفهم الأساسي هو تنبيه الدول الغربيه من خطر المسلمين مُتخذين من أنفسهم خطوط دفاعية عن الدول الغربية.
اذن فإن أعداء الإسلام يجدون انفسهم مضطرون لبث الدعاية للإمام المهدي(عج)، ونحن نتوقع أن يزداد إضطرارهم هذا وذلك لمحاولة منهم لمواجهة زيادة المد الإسلامي، الذي ينتظر بشوق ولهفة الى القائد الذي وعدهم الله سبحانه وتعالى بظهور أمره في يوم ما ان شاء الله وهم يجهلون أنهم بعملهم هذا يقومون بالتمهيد للحجة عجل الله فرجه الشريف وبنفس الوقت فإن هذه الامور تبعث في روح الشباب كل وسائل الشوق والتحفز.[6]
نعم لقد قمت بزيارة دولة ايران في شهر يناير وكان شعوري لا يوصف حيث انني شعرت ، وهذا حسب تقديري ما يشعر به كل مسلم، حيث موالي لآل البيت(ع) مواكب لحركة وعقيدة الامام المهدي المنتظر(ع)، نعم لقد شعرت بأنك في إيران تشعر وتحس بحضور المهدي(عج)، وأن حضوره هو الحضور الاكبر بين القادة والناس، فإنك تشعر وهذا ما يهتز له القلب فرحاً بأن الإمام(ع) هو القائد الحقيقي للثورة والدولة. وقد لفت نظري روح الشباب المتأججة وحيويتهم الفائقة ونشاطهم الدؤوب ورغباتهم الكبيرة في العيش تحت ظل اسمه الامام وحكومة الإمام ودولة الأيام، سالكين كل السبل التي تؤدي الى إقامة مجتمع منتظر بمعنى الكلمة، وذلك الإنتظار الإيجابي الذي يتطلبه منهم هذا الزمان منهم كأنهم يعيشون زمن الإمام، وكأن الإمام متواجد بينهم وكأنهم سيلتقون به عن قريب، وكأنه معهم يراقب نشاطاتهم وتحركاتهم، ويواكب سيرهم، وتحس أن الإمام(ع) هو السيّد الحاضر بقدسه، فهو يعيش في ضمائر الناس في شعاراتهم، مؤسساتهم، وأسواقهم، في أسماء أبنائهم، في أرواحهم، فهم يتوقون اليه إشتياق يقوق التصور، ويذوبون شوقاً اليه، وهذا يمثل مخزون الحب وكل آيات التقديس الذي يملأ قلوب شيعة الإمام وقلوب المسلمين عامة، وهذا امر فريد من نوعه، وشعبية لا يوجد لها نظير ، ويوماً بعد يوم تزداد هذه المشاعر في قلوب المحبين وفي قلب متيم مشتاق.
من هنا زمن هذا المنطلق علينا نحن كمسؤولين ومربين وآباء، وخاصة إننا نعيش في بلاد الغُربة، غُربة الدين والوطن، غُربة الثقافة الإسلامية، غُربة الأخلاق والمبادئ الإسلامية، غُربة الكلمة الهادفة، غـُربة الروح وغُربة المشاعر، علينا أن نستثمر مبادئنا، نستثمر عقيدتنا، نستثمر سموّ رسالتنا الإسلامية، كل الإستثمار في سبيل نشر عقائدنا بنشر أخلاق الرسول(ص) وآهل بيته الطاهرين(ع). علينا إستلهام روح الإسلام السامية، علينا زرع الخير في القلوب وخاصةً القلوب الشابة، علينا إستثمار العلماء والعاملون لنهضة الأمة، علينا إستغلال هذا الإشتراك المعنوي في عقيدةالمهدي عليه السلام، ونشره بين جميع المسلمين على جميع الأصعدة، ثم يجب تحفيز إستثمار العلماء لهذه العقيدة ومن يتبعهم من العاملون في سبيل نهضة هذه الأمة، لأن عقيدتنا ذات تأثير معنوي حيوي في حشود المسلمين، فهي من شأنها رفع مستوى الإيمان بالإمام المهدي(عج) ويؤكد الله تعالى بالنصر المحتم. وهذا بدوره يرفع المعنويات في مقاومة أعداء الأمة الإسلامية، والتمهيد للإمام(عج) والغرض من هذا هو إعطاء فكرة عن ماهية الروح التي تعيش بها الاوساط الشيعية التي نمت عبر السنوات والأجيال المتلاحقة وما يراد منها من تربية الآباء و الأمهات حيث تمخضت عن مخزون عظيم من الحب والتقديس والتطلع الى ظهور إمام الزمان(عج).
والان ناتي الى جانب التركيز على مسألة تعويد الشباب على الرجوع الى آيات القرآن المجيد وروايات آهل بيت العصمة(ع)، والتأمل فيها أو إستنباط المطالب والدقائق بالتأمل والتعمّق في روايات آهل البيت(ع) والتي هي وزنها وزن القرآن الكريم.
حيث إننا نلاحظ في القرآن الكريم ثلاثة مذاهب في مسائل قيّمة للإنسان.
أولا: المذهب البدوي ـ والذي يتوضح من خلال ذكر الآيات التي تتكلم عن الاعراب ومنهجهم الذي إتبعوه في التعامل مع الرسالة الإسلامية ومع الرسول(ص).
ثانياً: المذهب المادي التي اتخذته الفرق المعادية للنبي(ص) والأنبياء(ع) والذي يتخذهُ أتباع الحضارة المادية.
وثالثاً: المذهب الإسلامي، الذي توضحه آيات القرآن الكريم التي تُكرّم الإنسان وتوجهه الى عظمة ما يحمله من علم عقلي وروحي وعملي.
ونحن في عالمنا الإسلامي اليوم نعيش تحت تأثير البداوة والمادية الغربية و الإبتعاد عن الآخلاق وعن المبادئ الإسلامية السامية نازحين نحو تلك البداوة و المادية وذلك في نظراتنا الى الأنبياء و الرسل والائمة والأولياء والصالحين و المؤمنين والى شعوبنا الإسلامية بل الى أنفسنا نحن أيضاً. حيث أوجد التخبط الحضاري والسيطرة الغربية في مجتمعاتنا ظروفاً إقتصادية وإجتماعية وسياسية قاسرة ليس فيها أي إحترام للإنسان، وتحولت آذهان الناس الى بدوية وسطحية ليس فيها آي معنى من معاني التعمّق، وصرنا نرى في الأنبياء والآئمة الشيء الظاهري فقط بدون النظر والتفكر والتعمّق بعقلياتهم الفدّه وروحياتهم العالية ناسين بذلك آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن نورهم وتجسيد عقولهم عوالمهم الروحية العالية، حيث قال الله تعالى في كتابه الكريم في سورة النور «مَثلُ نوره كمشكاةٍ فيها مصباح المصباحُ في زجاجة الزجاجة كأنها كوكبٌ دُرّيٌ».[7]
والآن سنتطرق الى ما هو واجب على المسلمين وعلى شباب الأمة بصورة خاصة خلال فترة الإنتظار وفي زمن غيبة الإمام المهدي(عج) فهنالك جملة من الأعمال التي ينبغي للمسلمين عملها وأداؤها وبخاصة شباب المسلمين وهو أن يكون لكل مسلم واع ٍ مُدرك لقضية الإمام روحي له الفداء ـ ان يكون لهُ موقف إراده ضد ما يشاهد من فسادوإنحراف وظلم، وان يشعر بالمسؤولية إتجاه مجتمعه وان يأمر بالمعروف في مواقف الأمر بالمعروف وبنهى عن المنكر في مواقف النهي عن المنكر وان لا يتخذ موقف الصامت والخنوع إزاء مايجري من الظلم والإنحراف دون أن يكون له آي موقف تحدّي ومقاومة لكل ما يستلزم ذلك من بذل الغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة الحقّ وعلى المسلمين الشيعة أن ينهضوا بالعبئ وحدهم وأن يرتفعوا الى مستوى المسؤولية في التمهيد الى لحظة الحضور والظهور.
قال الله تعالى في كتابه المجيد، (كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ)[8]حيثُ أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتل مساحة واسعة وهامة في التشريع الإسلمي وهو في طليعة الواجبات الإجتماعية ومن هنا وجب على كل مسلم ترسيخت في قلبه حقائق الإسلام ان تكون عقيدة القدرة على الإعتراض على الظلم في كل مكان وزمان، ورفض الفساد والعدوان بكل مايملك من وسائل ممكنة، وكذلك يجب على المجتمع الإسلامي في كل البلاد الإسلامية والغير إسلامية يعني اينما تواجد المسلمون وخاصة ً في البلاد الغربية حيثُ إنها بعيدة بعيدة عن تعاليم و عقائد الإسلام، فعلى المجتمع الإسلامي ترسيخ عقيدة التوحيد في النفوس و غرس عبادة الله تعالى وحدهُ في القلوب والدعوة الى الخير و الى عمل الخير والجهاد في سبيل الله في كافة مجالات الحياة. فالقرآن الكريم و كذلك الأحاديث النبوية الشريفة وأحاديث آهل البيت عليهم السلام تزدهر بهذه النماذج في الأمثلة التي ترفع هذه الجوانب في حياة المسلمين، قال تعالى:
(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يدْعُونَ إِلَى الْخَيرِ وَيأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ).[9]
فللإنتظار معنى واسع وشامل وسامي ومن أجل القاء الضوء على هذه المسائل أمور يجب الوقوف عندها و التمعُن فيها و العمل بها وذلك فإن الأحاديث تُشير الى أعمال كبيرة و مهام شاقة ينهض بها الإمام(ع) وهي تطهير الأرض من الفساد وقلع كل جذور الظلم، ومحو آي أثر للكفر و الإلحاد بحيث يحيى الناس بمستوى واحد تحت راية الإمام الخفـّاقة، راية التوحيد، راية الإسلام و السلام وهذا كله يحتاج الى إستعداد بشري و وعي إنساني يسمو و يعلو الى قبول هذه الأفكار الوضّاءة متلازماً مع الحماس و القناعة. لذا ينبغي التعرّف على شروط الظهور أولا ً. وما يتوجب على المسلمين القيام بهِ ثانياً، وفهم معنى الإنتظار. حيثُ انّ أحاديث آهل البيت عليهم السلام تـُشير الى انّ إصلاح النفس هو في مقدمة الواجبات والوظائف التي ينبغي للمسلم القيام بها.[10]
فالتحلي بالأخلاق الحسنة، وتربية النفس وإمتثال أوامر القرآن الكريم ونواهيه، والبحث عن الحكم الشرعي ومحاولة تطبيقه في الحياة اليومية، و السعي في حل المشكلات الإجتماعية، ومكافحة الفـُقر و البطالة وتكديس الثروات، والإنفتاح على الحضارة الحديثة و الإستفادة من تقنيات العصر الحديث، وهذا هو الإنتظار المطلوب فإن المنتظرين على هذه الطريقة سيكون لهم ثواب الشهداء، أما من يقف مكتوف الأيدي ليس لهُ هَم ولا شُغل سوى الإختلاف و التناحر مُدّعين إنهم ينتظرون الإمام بالدعاء بتعجيل الفرج فقط من دون بذل أي جهد في محاولة لتمهيد الطريق أمام حكومة الإسلام العالمية، حكومة الإمام المهدي(عج) فلا يمكن أن يضاف الى قائمة المنتظرين. فالإنتظار إنتظار بالروح و العقل و العمل وهذا هو الإنتظار الحقّ. وفي حديث للإمام الصادق(ع) في قوله «ليعدّن أحدكم لخروج القائم(عج) ولو سهماً».[11]
وفي حديث للإمام الباقر(ع) «أن مُجرّد العزم على نـُصرة المهدي(عج)» يعادل في ثوابه ثواب الإستشهاد معه:
القائل منكم إن أدركتُ قائم آل محمد نصرتـُهُ كان كالمُقارع معه بسيفه بل كالشهيد معه.[12]
وفي حديث للصادق(ع) يجعل فيه الإنتظار في مُستوى الشهادة لله بالوحدانية وللرسول(ص) بالنبوة، ألا أ ُخبركم بما لا يقبل الله عزوجل من العباد إلا بهِ؟ شهادة ألا اله الله وأن محمدً عبدهُ و رسولهُ و الإقرار بما أمر الله والولاية لنا و البراءة من اعدائنا (يعني الائمة(ع) خاصة) و التسليم لهم والوَرع و الإجتهاد و الطمأنينة و الإنتظار للقائم عليه السلام.[13]
المصادر:
الشمس وراء السحاب، كمال السيّد.
عصر الظهور، الشيخ علي الكوراني العاملي.
الحق المبين في معرفة المعصومين(ع)، علي الكوراني العاملي.
بحارالأنوار.
كمال الدين.
الغيبة النعمانية.
سفر التكوين 17/20 بالإسناد الى الكتاب المقدس تحت المجهر عوده مهاويش الاردني.
خلاصة كتاب حوارات حول المنقذ، العلامة الشيخ إبراهيم الاميني، ترجمة كمال السيّد.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]. بحارالأنوار، ج52، ص333.
[2]. الشمس وراء السحاب، كمال السيّد، ص138.
[3]. سفر التكوين 17/20 بالإسناد الى الكتاب المقدس «تحت المجهر» عوده مهاويش الاردني، 152.
[4]. خلاصة كتاب حوارات حول المنقذ، العلامة الشيخ إبراهيم الاميني، ترجمة كمال السيّد.
[5]. سورة الصف / 8ـ9.
[6]. عصر الظهور، الشيخ علي الكوراني العاملي.
[7]. مقتبس من كتاب «الحق المبين في معرفة المعصومين:»، علي الكوراني العاملي.
[8]. سورة آلعمران / 110.
[9]. سورة آلعمران / 104.
[10]. حوارت حول المنقذ، العلامة الشيخ ابراهيم الأمين.
[11]. بحارالأنوار، ج52، ص366.
[12]. كمالالدين، ج2، ص357.
[13]. الغيبة النعمانية، ص106.
[
عدد الزيارات: 343]
 |